شكيب أرسلان

66

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

لقد أورد ياقوت بعد ذكره قباء التي بين مكة والبصرة أبياتا للسّري بن عبد الرحمن بن عتبة بن عويمر بن ساعدة الأنصاريّ ، مما يوهم أنّ هذه الأبيات قيلت في قباء هذه . والأولى أن تكون قباء المقصودة في شعر السّري بن عبد الرحمن الأنصاري هي قباء المدينة المنورة ، لأنّ الأنصار كان لهم مساكن فيها ، ولأنّه يصف فيها ماء بئر عروة ، الشهيرة بالعذوبة ، والتي يقال : إنّه كان يحمل من مائها إلى هارون الرشيد وهو بالرقة ، وبئر عروة هي في ضواحي المدينة كما هو معلوم ، وعندها بستان لطيف ، وقد قسم اللّه لي النزهة - أو القيلة كما يقول أهل الحجاز - عند هذه البئر منذ خمس عشرة سنة قبل الحرب العامة بقليل « 1 » ، ووجدت من خفّة مائها وحلاوته ما تذكرته هذه المرة عند شربي من بئر جعرانة ، التي في ضواحي مكة . أما الأبيات التي استشهد بها ياقوت فهي هذه : ولها مربع ببرقة خاخ * ومصيف بالقصر ، قصر قباء كفّنوني إن متّ في درع أروى * واغسلوني من بئر عروة مائي سخنة في الشّتاء ، باردة الصّي * ف ، سراج في الليلة الظّلماء وخاخ هي روضة خاخ بقرب حمراء الأسد من المدينة ، كانت من الأحماء التي حماها النبي صلى اللّه عليه وسلم والخلفاء الراشدون ، يقال : إنّها في حدود العقيق بين الشوطي والناصفة ، وقد أكثر من ذكرها الشعراء ، وكانت فيها منازل الأئمة من آل البيت وغيرهم من أعيان المدينة . وأما نهر الأبلّة ، الذي يقال : إنّ عبد اللّه بن عامر شقّه ، فهو نهر بالبصرة ، وهو إحدى جنان الدنيا الأربع بحسب قول بعضهم ، وهيّ : غوطة دمشق ، وصغد سمرقند ، وشعب بوّان ، ونهر الأبلّة . وحكي أنّ بكر بن النطاح مدح أبا دلف العجلي بقصيدة ، فأثابه عليها

--> ( 1 ) [ عام 1913 ] .